أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

82

العقد الفريد

وحطه عن أتانه ، ودعا بالعلف ؛ فجعل الأعرابي يقول : أين الليف والنّئيف « 1 » والوساد والنجاد ؟ يعني بالليف : الحصير ؛ وبالنئيف عشبة عندهم يقال لها البهمى « 2 » والوساد : جلد عنز يسلخ ولا يشق ويحشى وبرا وشعرا ويتّكأ عليه ؛ والنجاد : مسح شعر يستظل تحته . قال : فلما نزع القتب عن الأتان إذا ظهرها قد دبر حتى أضرّت بنا رائحته : فجعل الأعرابي يتنهد ويقول : إن تنحضي أو تدبري أو تزجري * فذاك من دءوب ليل مسهر « 3 » أنا أبو الزهراء من آل السّري * مشمّخ الأنف كريم العنصر إذا أتيت خطّة لم أقسر « 4 » وكان يسمى الأعرابي صلتان بن عوسجة من بني سعد بن دارم ، ويكنى بأبي الزهراء ، وما رأيت أعرابيا أعجب منه ؛ كان أكثر كلامه شعرا ؛ وأمثل أعرابي سمعته كلاما ؛ إلا أنه ربما جاء باللفظة بعد الأخرى لا نفهمها ؛ وكان من أضجر الناس وأسوئهم خلقا ، وإذا نحن سألناه عن الشيء قال : ردّوا عليّ القوس والأتان ! يظن أنا نتلاعب به ، وكنا نجتمع معه في مجلس أبي حماد ، وما منا إلا من يأتيه بما يشتهيه ، فلا يعجبه ذلك ؛ حتى أتيناه يوما بخربز « 5 » ، وكانت أمامه ، فلما أبصرها تأملها طويلا وجعل يقول : بدّلت والدهر قديما بدّلا * من قيض بيض القفر فقعا حنظلا « 6 » أخبث ما تنبت أرض مأكلا فكنا نقول له : يا أبا الزهراء ، إنه ليس بحنظل ، ولكنه طعام هنيء مريء ، ونحن نبدؤك فيه إن شئت . قال : فخذوا منه حتى أرى ! فبدأنا نأكل وهو ينظر لا

--> ( 1 ) النئيف : المأكول . ( 2 ) البهمى : نبت تجد به الغنم وجدا شديدا ما دام أخضر فإذا يبس هر شوكه . ( 3 ) النحض : ذهاب اللحم . والزحر إخراج الصوت أو التنفس بأنين عند عمل أو شدة . ( 4 ) أقسر : أغلب وأقهر . ( 5 ) الخربز : البطيخ . ( 6 ) القيض : قشرة البيضة العليا . والفقع الرخو من الكمأة .